ابن رشد
22
الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة
6 - الجوهر الفرد . . أو الفيزياء الكلامية تجمع المصادر التي بين أيدينا على أن أبا الهذيل العلاف ، كان أول من قال بفكرة الجوهر الفرد ( - الجزء لا يتجزأ - الذرة ) . وحسب المصادر المتوافرة لدينا الآن فإن مسألة الجزء الذي لا يتجزأ ، هذه ، قد أثيرت ، أول ما أثيرت في سياق " الكلام " في علم الله وقدرته . ذلك أنه لما كان الله يحيط بكل شيء ، كما ينص على ذلك القرآن ، وجب أن يكون " كل شيء " أي العالم بأجمعه ، قابلا للإحاطة به وبالتالي متناهيا . هذا من جهة ، ومن جهة أخرى فبما أن الله يقول في القرآن : « وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً » ( الجن 28 ) فيجب أن تكون أشياء العالم قابلة للعد ، أي عبارة عن أجزاء محصورة العدد ، وبالتالي محصورة التجزئة . يقول أبو الحسين الخياط ، المعتزلي المشهور ، في هذا الصدد : " اعلم . . . أن القول الذي كان أبو الهذيل يناظر فيه هو أن للأشياء المحدثات كلا وجميعا وغاية ينتهى إليه في العلم بها والقدرة عليها ، وذلك لمخالفة القديم ( - الله ) للمحدث ( - العالم ) . فلما كان القديم عنده ( - أبي الهذيل ) ليس بذي غاية ولا نهاية ، ولا يجري عليه بعض ولا كلّ ، وجب أن يكون المحدث ذا غاية ونهاية وأن له كلا وجميعا " . ويلتمس أبو الهذيل لرأيه ذاك سندا من التجربة والعقل معا ، فيقول ، فيما يرويه عنه الخياط : " وجدت المحدثات ذات أبعاض ( - أجزاء ) ، وما كان كذلك فواجب أن يكون له كل وجميع . ولو جاز أن تكون أبعاض لا كل لها ، جاز أن يكون كل وجميع ليس بذي أبعاض . فلما كان هذا محالا كان الأول مثله " . « 13 » وبعبارة معاصرة : انه لما كانت أشياء العالم عبارة عن أجزاء فإن لها كلا ، لأن الجزء هو جزء من كل . والعكس صحيح كذلك ، بمعنى أن أي شيء في العالم يشكل كلا فهو ذو أجزاء ، لأن الكل إنما هو كذلك لكونه مجموع أجزاء . وإذن فجميع أشياء العالم عبارة عن أجزاء . ولكي تكون الأجزاء قابلة لأن يحيط بها علم الله وقابلة للعد وجب أن تكون متناهية ومحصورة العدد ، الشيء الذي يستلزم وقوف التجزئة عند حد ما ، لا تتعداه ، أي عند جزء لا يتجزأ . هذا بخصوص ارتباط القول بالجزء الذي لا يتجزأ بمسألة العلم الإلهي . أما عن ارتباطه بمسألة القدرة الإلهية فإن أبا الحسن الأشعري يشرح ذلك فيقول : " واختلف الناس في الجسم : هل يجوز أن يتفرق ويبطل ما فيه من الاجتماع حتى
--> ( 13 ) أبو الحسين الخياط المعتزلي . الانتصار والرد على ابن الروندي الملحد . تحقيق البير نادر . المطبعة الكاثوليكية . بيروت . 1957 . ص . 16 - 17 .